لبنان.. ومناهضة الحرب الطائفية

ياسر الزعاترة

لولا الحشد الطائفي الذي يسود المنطقة لما تردد أيُّ أحد في الشارع العربي والإسلامي في الانحياز إلى معسكر المعارضة وحزب الله في سياق المعركة الدائرة في الساحة اللبنانية، فقد اعتادت جماهير الأمة أن تناهض المعسكرَ المدعومَ من طرف الأمريكان والإسرائيليين من دون تردد، بصرف النظر عن ماهية الطَرَف الآخر، فكيف بعدما أسفرت السياسية الأمريكية عن وجهها القبيح كنقيضٍ لأشواق الأمة في الوَحدة والتحرر، وتأكيد هُويتها العربية والإسلامية.

الآن تقف جماهير الأمة، السُّنِّيّة على وجه التحديد، أسيرةَ قدر من الحيرة، فهي من جهةٍ تدرك أن ما يجري في لبنان هو جزء لا يتجزأ من معركة الأمريكان والإسرائيليين ضد جبهة المقاومة والممانعة في المنطقة، لكنها تشعر في المقابل بالكثير من القلق حيالَ المشروع الإيراني الذي تفوح منه رائحة المذهبية في بعض الأحيان، والقومية في أحيان أخرى، الأمر الذي يتجلى بوضوح في الساحة العراقية، وحيث تصر طهران (بلسان الحال) على عراقٍ تابعٍ من الناحية السياسية والاقتصادية، وحتى الثقافية والدينية.

لا خلاف على حقيقة التحالف الشامل بين إيران وحزب الله، إلى جانب تحالف آخَرَ فرضته السياسة مع سوريا، لكن ذلك لا يقلل بحالٍ من أهمية المواقف والْمُنْجَزَات التي حققها الحزب في سياق الصراع الأهم في المنطقة؛ صراعِ الأمة مع عدوها الرئيس، مُمَثَّلًا في المشروع الأمريكي الصهيوني، ويكفيه فخرًا أنه صاحب أكبر انتصارين في تاريخ الصراع؛ انتصار أيار مايو عام 2000 الذي أخرج الصهاينة من جنوب لبنان، وانتصار تموز عام 2006 الذي ما زال كيان العدو يعاني من تبعاته، وسيبقى يعاني إلى يوم نهايته القريبة بإذن الله.

الآن، وفي ظل الحشد المذهبي في المنطقة، وفي ظل المخاوفِ العربية والإسلامية السنّية من المشروع الإيراني، وفي ظل ما يُشبه الإجماعَ في أوساط السنّة اللبنانيين على التخوف من تَغَوُّلِ حزب الله والشيعة عليهم، يبدو الموقف في حاجةٍ إلى مقاربة أخرى تتجاوز سؤال المعارضة مقابل الموالاة، والمشروع الأمريكي مقابل نقيضه اللبناني والعربي والإسلامي.

ليس بوسع أحد التشكيك في انتماء السنّة اللبنانيين إلى وطنهم وأمتهم، وتناقضهم مع المشروع الأمريكي الصهيوني، كما يؤكد تاريخُهم الطويل، ما يعني أن موقفهم المؤيدَ لكياناتٍ ورموزٍ سياسيةٍ تلتقي بهذا القدر أو ذاك مع الأمريكان في هذه المرحلة إنما يتم على قاعدة الرد على الظلم الذي تعرضوا له باغتيال رفيق الحريري، إلى جانب المخاوف المشارِ إليها آنفًا، أكثر من كونه نتاجًا لتغيّرٍ في مزاجهم السياسي العام.

من هنا، ينبغي لحزب الله أن يُقَدِّم ما يكفي من المواقف التي تبدّد مخاوف السنّة من أن سلاح المقاومة ليس مُعَدًّا لإحداث توازنات جديدة في الشارع اللبناني تتجاوز اتفاقَ الطائف وما تعارف عليه الجميع في سياقِ إدارةِ الشأن الداخلي اللبناني، لاسيما أن مخاوف الاجتياح الإسرائيلي للبنان ليست واردةً بقوةٍ هذه الأيامَ، اللهم إلا إذا أصرّ الحزب على استخدام لبنان في سياق صراعِ إيران مع الأمريكان في حال قرروا توجيهَ ضربة لمنشآتها النووية.

في المقابل، لا بد للسنّة أن يرفضوا الانجرارَ خلف لعبة الثأر الطفولي التي يسوقهم إليها سعد الحريري، فضلًا عن مسارات الجنون التي يدفعهم إليها جنبلاط، والتي تتجاهل حقيقة أن لبنان لن يستقر بحالٍ بينما يدير الظهر لسوريا، فضلًا عن أن يتحول إلى سكينٍ يطعنها في ظهرها؛ هي المستهدفة بقوة من قِبَل الصهاينة.

ثَمَّةَ حاجةُ إلى تصحيح البوصلة السياسية للسنّة في لبنان، تمامًا كما أن هناك حاجةً إلى وضع سلاح المقاومة في سياقه الصحيح، وهو ما لن يتم-مع الأسف الشديد- من دون ترتيب العلاقة بين مصر والسعودية من جهة، وبين سوريا من جهةٍ أخرى، إلى جانب حوار جَدِّيٍّ بين العرب وإيران على مختلف الملفات الشائكة في المنطقة، ومن بينها الملف اللبناني والعراقي، الأمر الذي لن يحدث من دون التمرد على الإملاءات الأمريكية.

ندعو الله أن يحقن دماءَ اللبنانيين، وأن يُلهِمَ عقلاءهم سبيل الوَحدة وتجاوز الأزمة، ولا شك أنه عارٌ على اللبنانيين والعرب جميعًا أن يقدموا للدولة العبرية مثلَ هذه الهدية الثمينة في عيد ميلادها الستين.

 

المصدر: البشير للأخبار